في نفي تهمة «التشبيح» عن اليسار المعادي للإمبريالية

إحدى المساهمات الظريفة لنعوم تشومسكي تكمن في نقده للمثقف اليساري الفرنسي. الماركسيون الماويون الباريسيون، يقول تشومسكي، كانوا آخر من اكتشف الكوارث الماوية في الصين. يذكّرني هذا ببعض اليساريين الممانعين اليوم وطريقة تعاملهم مع أزمة ما بعد النظام السوري، خاصة بعد فتح معتقلاته.
ليس كل يساري ممانع يختبئ وراء الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا لتجنّب الحديث عن صيدنايا، لكن عندما يصل الإنكار لدى الممانع مرحلة مقولته بأن كل دول النظام العربي الرسمي هي كذلك أنظمة سجون ومعتقلات في الوقت ذاته الذي يقول فيه بأنه علينا أن «نستفيد» ونعيد ترتيب التحالفات بناءً على القلق العربي الرسمي من الإسلام السياسي في سوريا، فهذا يعني أننا غير منخرطين في نقاش ناضج عن عن تورّط اليسار الممانع مع نظام شكّل عبئاً أخلاقياً ومادّياً على المقاومة. علينا أن نعترف بأنه لن يمحو خطيئتنا في إهمال حرّية السوريين لعقد ونصف عقد إخبارهم أن 14 آذار وبعض مثقفي وسياسيي الخليج «انتهازيون» يريدون أن يستغلوا معاناتكم، لقد تركنا نحن في اليسار معاناتهم لكي يتم استغلالها من قبل اليمين.
مع ذلك، هناك محاولات اليوم لتوسيع تهمة «التشبيح» على مصراعيها لتشمل اليسار المعادي للإمبريالية بطريقة تلغي شرعيته الأخلاقية في المنطقة، ذلك في توقيت غزي ولبناني جنوبي (وسوري جنوبي) نحن بأمسّ الحاجة فيه لحماية هذا اليسار من التفكّك ما بعد الحداثي بعد اكتشاف الجرائم الأسدية. هذا هو التفكّك الذي أصاب اليسار بعدما كُشفت الجرائم والكوارث الستالينية في الاتحاد السوفياتي في عام 1956 من قبل نيكيتا خروتشوف. هذا التراكم المعرفي لم تتم الاستفادة منه لإعادة بناء اليسار، بل تم تسليحه كجزء من المجهود الفكري والإعلامي للحرب الباردة الغربية بطريقة جعلت اليسار ينهار بشكل كامل وصولاً إلى عام 1989. ما يحدث اليوم في المجال العام العربي بشأن التوحّش الأسدي في المعتقلات يشبه كثيراً الجزع البرجوازي العربي من توحّش «داعش» قبل عشر سنوات، والذي يستبدل السياسة بهوس التشاؤم حول الوحشية والسادية.
نسترشد هنا بياسين الحاج صالح من أجل أن نعرّف اليسار، وهو التنظيم الشعبي الواسع في مواجهة ثلاث قوى أساسية: الإمبريالية التي تسرق منّا السيادة، الدولة الرأسمالية-الأمنية التي تسرق منا السياسة، والإسلام السياسي المتطرف الذي يسرق منا الاجتماع.
اتهام اليسار المعادي للإمبريالية بالتشبيح، بناءً على انتقاده الإمبريالية الغربية دون نقد الدولة الرأسمالية-الأمنية، لا يراعي الظروف الموضوعية في بدايات الأزمة بسوريا. أميركا كانت قد غزت العراق، والحكومات الحليفة لها الأوروبية والإسرائيلية والعربية والتركية، كانت قد تغوّلت من ناحية أمنية لاستغلال الحرب الأميركية ضد الإرهاب من أجل توسيع سطوة الدولة الرأسمالية-الأمنية في مواجهة الشعوب. اليسار المعادي للإمبريالية لاحظ كيف أن هذه الدول التي تعاني من رهاب مظاهر الحرب الشعبية في سياقاتها، خاصة بالسياق الفلسطيني، قد قررت فجأة أن «الحرب الشعبية» مسموح بها في سوريا. هذه الانتقائية الأطلسية-الخليجية كانت المصدر الأساسي لعدم ثقة اليساريين المعادين للإمبريالية بالثورة السورية.
إلا أن الخطأ الحقيقي لليسار لم يكمن في التفافه حول الدولة الرأسمالية-الأمنية لمواجهة الإمبريالية الغربية على حساب السوريين، بل في التفافه حولها لمواجهة الإسلام السياسي على حساب السوريين والعرب كلهم. هنا، «فوّض» اليسار العربي ملف الثورة في مصر للجيش منهياً بذلك أي إمكانات لبناء حزب شعبي وعمالي واسع في مصر قادر على مواجهة كل من الإسلاميين والدولة الرأسمالية-الأمنية، والإمبريالية بعد ذلك (على العكس تماماً، ما زال اليساري الممانع حتى هذه اللحظة مصراً على أن خلع محمد مرسي كان حباً بفلسطين وكرهاً بشمعون بيريز وأميركا) قبل أن بات هذا اليسار مشاهداً عاجزاً للميدان في سوريا، مشجعاً من بعيد محور الممانعة، رابطاً نفسه بالضرورة بالنظام الأسدي، غير قادر على التحكم بمجريات المعركة التي وصلت إلى انتصار صوري للنظام بمساعدة حلفائه قبيل هزيمته الأخيرة. للمفارقة، كان هنالك الكثير مما يمكن إنقاذه والبناء عليه في مصر، ولم يكن ممكناً، بالمقابل، إنقاذ النظام السوري بعد وصوله إلى مرحلة الحرب الأهلية، وهذا يذكّرني بما قاله نجاح واكيم عن الحرب الأهلية اللبنانية: «ما توصلني للمشكل وتقولي بقلب المشكل شو بتعمل».
لماذا إذاً يسيل الكثير من حبر «أخلاقويي» القضية السورية في نقد السقوط الأخلاقي لليسار بدلاً من السقوط التكتيكي له؟ ولماذا يقضون وقتاً في نقد اليسار المناهض لأميركا وإسرائيل بدلاً من نقد اليسار الثقافوي الكاره لـ«الإخوان المسلمين»؟ أتفهّم أن إثبات الخلل الأخلاقي لدى الأيديولوجيا الجماعية لمناهضي الإمبريالية بحاجة إلى وقت وجهد أطول من إثبات الفردانية الأنانية الفاحشة والتشبيح الواضح لدى كارهي الإسلاميين، لكن منذ الحرب الباردة وهناك اقتصاد سياسي ضخم لنقد الإمبريالية يفيد بالنهاية حكومات دول عظمى شديدة الثراء والعسكرة، تسرق سيادتنا كل يوم. هؤلاء «الأخلاقويون» مقبلون على مأزق فكري بالطبع، فقد تحرّر السوريون من النظام الأسدي وتم فك الارتباط أخيراً بينه وبين اليسار المناهض للإمبريالية. لكنّ «أخلاقويي سوريا» لا يزالون يدينون واقعيتنا السياسية بشأن سوريا، غير آبهين بأننا لا نملك ترف المثالية التي يملكها أبناء عزمي بشارة وبنات أصالة نصري. من الأحرى إذاً ترك مناهضة الإمبريالية بحالها والانهماك عوضاً عن ذلك بنقد التشبيح الثقافوي لدى أمثال أدونيس الذي يقول الآن إنه يجب تغيير المجتمع السوري كله، ليس فقط النظام.
صحيح، أخطأنا بتهميش السوريين مما يُدعى نظرياً المشروع التحرري العربي خلال السنوات السابقة، لكنه خطأ لا يقل فداحة أن نجعل صورة «الضحية المثالية السورية» معياراً وحيداً لمن يبقى ومن يُطرد من قوى التغيير العربي. في هذا السياق الأخلاقوي اللاسياسي تغدو كل من ليلى خالد وإلهام شاهين واحداً ولا يعود هناك فرق بين الثرى والثريا. إحداهن امرأة تحمل هم التحرر العربي في قلبها، وأخرى تعاني من رهاب الحشود والعوام (خاصة أمام صناديق الاقتراع). إحداهن التقت ببشار الأسد وكالت عليه المديح كما تفعل مع أمراء الخليج، والأخرى عندما التقت بحافظ الأسد في القرن الماضي أخبرته أنه إذا لم يعتقلها كغيرها في سجن المزة «لن تستحق لقب المناضلة».
* كاتب فلسطيني
